الاثنين، 21 يناير 2013

الجماعات الإسلامية ومشاريع التغيير. (2)


بقلم: أبو علاء مصطفى الحسناوي

تيار الإسلام الديمقراطي



هو تيار مشكل من جماعات قطرية مستقلة تنظيميا وسياسيا، لكنها تنهل من نفس الفكر ونفس المدرسة، مدرسة الإخوان المسلمين، التي أسسها حسن البنا مع 
سبعة من الأفراد، نذكر منهم، حافظ عبد الحميد، فؤاد إبراهيم، عبد الرحمن حسب الله، سنة 1928. أي بعد مرور حوالي ست سنوات على سقوط دولة الخلافة، ثم جاءت عدة أحداث ووقائع، ساهمت في تحول الجماعة، من جماعة قطرية إلى تيار عالمي. فلقد رفضت حركة الإخوان قرار تقسيم فلسطين سنة 1947. ودعا حسن البنا المسلمين إلى فريضة الجهاد، وأرسل كتائب المجاهدين من الإخوان في حرب .1948 وكان هذا القرار من أهم أسباب حل الجماعة من طرف رئيس الوزراء النقراشي يوم 8 دجنبر، سنة.1948 الذي اغتيل بعد عشرين يوما من هذا القرار المتهور، ثم اغتيل المؤسس حسن البنا سنة 1949. ثم ساعدت الجماعة حكومة الانقلاب عام 1952. قبل أن يصدر الثوار الانقلابيون، قرارا بحل الجماعة مستهل 1954، لتبدأ حملة اعتقالات واسعة في صفوف الإخوان، ثم سرعان ما أسفرت اللادينية عن وجهها، وأسكن الإخوان السجون، وذاقوا الويلات والعذاب ألوانا.
كانت هذه المحطات التي أشرنا إليها سريعا، أحد عوامل تمدد الجماعة وانتشارها في أقطار ودول أخرى. رغم أن منهج الإخوان وهدفهم يشوبه كثير من الاضطراب، والضبابية وعدم الوضوح، حتى قال الكاتب المعروف إبراهيم العسعس، عبارة تصور هذا الوضع أعجب تصوير، قال في مقال له بعنوان: (الإخوان والرهان الخاسر)، "توفي المؤسس رحمه الله فجأة قبل أن يقول لهم ما يريد على وجه التحديد". فمنهج الجماعة هو تكوين الفرد المسلم والأسرة المسلمة ثم المجتمع المسلم ثم الحكومة المسلمة والدولة فالخلافة الإسلامية، هكذا بكل هذه البساطة. وعن ذلك يقول المؤسس، حسن البنا. مهمة الإخوان هي "أولا إقامة أمة صالحة وثانيا إقامة حكومة صالحة " وهذه الدعوة التي قال عنها حسن البنا أنها دعوة سلفية، وطريقة سنية. لا تجد غضاضة في القبول بالقيم الغربية، ومنها الديمقراطية، وتعتبرها أرقى مما وضعه الإسلام، في مجال تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. ومؤسس الجماعة انتمى في فترة من حياته إلى طريقة صوفية، هي الطريقة الحصافية.
وقد ظلت الجماعة التي انتشرت في ربوع المعمور، وفية لمنهجها الذي بدأت به، حتى بعد انتفاء أسبابه ودواعيه، وهو منهج يقوم على ركنين أساسيين: المنهج التجميعي، والمشاركة في اللعبة السياسية. هذان الركنان يزدادان انحرافا كلما تحركنا مكانيا وزمنيا، ليتسع ضلعا الزاوية المنفرجة لحد غريب وعجيب.
أما التجميع، أي تجميع الأتباع، فإنه لا يفرق بين سنة قائمة أو بدعة شائعة، فتجد الجماعة تضم بين جنباتها المتناقضات والأضداد، والناس بخير طالما انتسبوا للجماعة وصفقوا للقيادة. وهي نظرية تعتمدها عدة جماعات ممن تعتمد التجميع وتكثير الأتباع.
أما المشاركة في اللعبة السياسية، الذي ابتدعته الجماعة. والتي بدأت دعوية، ثم تحولت سياسية، فإن مراجعة هذه الاستراتيجية وهذا الخط، لا تتسم إلا بمزيد من تكريسها. حتى تحولت من استراتيجية إلى مبدأ راسخ، ثم إلى هدف ومطلب وأصل، تتفرع عنه كل الأعمال، وتدور حوله كل المشاريع، وتقدم من أجله التضحيات.
وهي العوامل التي ساهمت في إنتاج حالات ( فردية أو جماعية تنهل من هذا المعين وتنتمي لهذا التيار )، براغماتية، ميكيافيلية، لاتثبت على مبدأ أو موقف. والأمثلة على انزلاقات حملة هذا الفكر كثيرة، وصلت لمستويات خطيرة، تتراوح بين الاجتهاد مع وجود النص القطعي، أو تحريفه ولي عنقه، كما في حالة حسن الترابي. والخيانة والارتزاق والعمالة كما في حالة الحزب الإسلامي العراقي، الذي تحالف مع الأمريكيين، وبرهان الدين رباني وعبد رب الرسول سياف ودخولهما ضمن تحالف الشمال. وتحالف المراقب العام للإخوان المسلمين بالجزائر محفوظ نحناح مع العسكر ضد الجبهة الإسلامية للإنقاد. ووقوف جماعة الإخوان المسلمين في ماليزيا مع وزير المالية أنور إبراهيم المتورط في قضايا فساد.
كما أن كثيرا من قادة ودعاة وشيوخ هذا التيار، ممن أسسوا له أو نظروا له أو تربوا في بيئته، لم يسلموا من الوقوع في هذه المنزلقات، وهي نتيجة طبيعية، للفقه المصلحي التبريري، فهذا الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله له كثير من الفضل، في مجال الدعوة، لكن منهجه وأصوله، وتأثره بالبيئة الدعوية الإخوانية التي تربى فيها، انعكس على آرائه واجتهاداته وفتاويه، فكان الانزلاق والانحراف مصير كثير منها. ولعلنا نذكر فتوى من بين فتاواه الكثيرة.
كتلك التي تجيز للجنود الأمريكيين المسلمين قتل إخوانهم المسلمين اللذين تحاربهم أمريكا، وقد وقع هذه الفتوى إلى جانب الدكتور القرضاوي، كل من محمد سليم العوا، وطارق البشيري، وهيثم الخياط، وفهمي هويدي .
أوكتلك التي أفتى فيها بجواز شراء منزل سكني بقرض ربوي، بحجة الضرورة ورفع الحرج. وقد رد عليه الفقيه الدكتور محمد الروكي، بأن الحاجة والضرورة هي السكن، وليس التملك، والسكن يتحقق بالكراء وهذه الضرورة منتفية وغير معتبرة.
ولا يشذ الدكتور أحمد الريسوني الرئيس السابق لحركة التوحيد والإصلاح عن هذه القاعدة. فلقد قال في حوار مع إحدى الأسبوعيات أنه لم يسمع عن أحد أفتى أو أبدى رأيه واعتقل ( في المغرب طبعا ! )( ). وفي اجتهاد غريب خرج به عن الإجماع وضرب النص القطعي عرض الحائط، وهو الفقيه الأصولي المقاصدي، أنكر الدكتور الريسوني حد الردة، واعتبر تراجع الشخص عن إسلامه من الحرية الشخصية (حرية الإرتداد)، ولقد رد عليه الدكتور فريد الأنصاري ردا علميا شافيا مفحما( ). ثم في مقال له نشره في الموقع الرسمي للإخوان المسلمين، أيد الدكتور الريسوني، شيخ شريف وسياسته وتحالفاته، ووصف المعارضين لسياسته وصفقاته، بالمجانين. انتصارا لزميله في المنهج، ومحاباة له، ولو على حساب الحق، رغم أن مايقوم به شيخ شريف الآن، هو عين ما تقوم به السلطة الفلسطينية، التي ينتقدها هذا التيار بشتى تلاوينه وفصائله وتشكيلاته، ويعيب عليها مسلسل التسوية وخيار السلام، ولكن إن عرفنا أن المنافس هناك هو "حماس" أحد فصائل هذا التيار، سيبطل العجب وينقضي.
الشيخ عبد الباري الزمزمي رئيس جمعية البحوث والدراسات في النوازل الفقهية له حظه من هذه الفتاوى الغريبة والمنحرفة، حتى أصبح علامة ورمزا لكل فتوى غريبة وشاذة، فقد أفتى بأن المشاركة في الانتخابات واجب شرعي؟ وفتوى أخرى قال فيها: "ليس من البر أن يؤذن للفجر بالأبواق"( ). وله فتوى أخرى قال فيها: " أنه إذا اعتدت إسرائيل على سوريا أو لبنان مثلا وطلبت إحدى هذه الدول المساعدة من مصر فلا يجوز لها أن تقدم العون لأنها تربطها بإسرائيل اتفاقية سلام"؟ ( ). وفتوى أجاز فيها العلاقات بين الجنسين خارج إطار الزواج، وجماع الرجل لجثة زوجته، ثم إن الشيخ في حوار له مع جريدة المساء تحدث عن سماعه للأغاني والموسيقى، وقال أن أفضل مطرب عنده هو عبد الهادي بلخياط.
ولا يجاري الشيخ الزمزمي في خرجاته، إلا الأستاذ عبد الإله بن كيران، حيث يصعب حصر تلك الخرجات الغريبة، والمواقف الأغرب، وهو الرجل الذي تربطه علاقة وطيدة بالسلطات ودهاليزها، منذ خروجه من الشبيبة الإسلامية وتبرؤه من مرشدها، ففي رسالة وجهها لوزير الداخلية، بتاريخ 17 مارس 1986، وبعد أن أكد على نبذ الإرهاب، والموقف من الملكية، والمذهب المالكي، والاستقلالية عن أي جهة خارجية، استعرض عبد الإله بن كيران قدراته، أمام إدريس البصري، على قطع الطريق أمام المعارضين الإسلاميين للنظام. حيث قال في رسالته: "إننا نعتقد أن مطيع، وأمثاله لايمكن أن يجدوا موطئ قدم، إذا سمح للدعاة المخلصين". وهو نفس الموقف الذي مازال يكنه ويحمله للرجل، ففي جلسة جمعتني به، بداية شهر غشت 2011، بدا عبد الإله بن كيران، رافضا لعودة عبد الكريم مطيع للمغرب، ورافضا لأي فرضية حول براءته، وكانت العبارة التي ختم بها الموضوع، "حنا عارفين خروب بلادنا".
كانت هذه أمثلة، لمجموعة من المواقف والآراء والاجتهادات، لأفراد وهيئات، يمكن أن تساعد على فهم كيف يفكر عقل هذا التيار ( ولنسمه العقل الإخواني )، لكن ماذا عن برنامجه ومشروعه.
هذا التيار ليس له مشروع إسلامي واضح، وهو يتحدث في عموميات لا تختلف عن باقي التيارات القومية والمحافظة، بل حتى العلمانية، كتحقيق الحرية والعدل والمساواة واحترام الديمقراطية والشريعة، ومطالبه " في أقصى حالاتها لا ترقى إلى تهديد النظام ولا تشكل طرحا بديلا له، ولذا فإن النظام لا يرى فيها خطورة على استمراره أو استقراره"( ). لذلك فإقامة مشروع إسلامي نهضوي متكامل ومستقل، أو حتى مطلب تطبيق الشريعة تحت مظلة الأنظمة القائمة، من آخر مطالبه واهتماماته، بل ليس من مطالبه، ولا من اهتماماته أصلا، وفي هذا الإطار يقول محمد يتيم أحد مؤسسي حركة التوحيد والإصلاح، وعضو برلماني عن حزب العدالة والتنمية :" إن مطلب إقامة الدولة الإسلامية يطرح بشكل يؤدي إلى كثير من الالتباس والغموض، كما أنه زج بالحركة الإسلامية في صراعات ومنزلقات قد لاتخدم قضية بناء الأمة وتأهيلها للقيام برسالتها الحضارية". وكزيادة في ترسيخ هذا الطرح وإبداء حسن النوايا لمن يهمه الأمر، يضيف قائلا: "إن الإيحاء الذي يتركه مطلب إقامة الدولة الإسلامية، ولو لم يقصد إلى ذلك الإسلاميون، هو أن الدول القائمة في العالم الإسلامي كافرة أو على الأقل دول علمانية". إن التخلي عن مطلب إقامة الدولة الإسلامية والتوقف عن السعي لخلافة راشدة لا يمكن أن يتم إلا من طرف حركة إسلامية راشدة ودعاة حكماء عقلاء واقعيين لهم دراية بالواقع والمتغيرات. وفهم السنن الكونية والشرعية. هكذا يصف أصحاب هذا الطرح أنفسهم. بينما يوصف أصحاب الطرح الآخر بكل أوصاف القدح والتجهيل، فهم حمقى جهال سذج، يميلون إلى التبسيط والتسطيح والطوباوية، كما قال عبد الإله بن كيران في أحد البرامج الحوارية على قناة الحوار. ولكثرة إغراق أصحاب هذا الطرح في الانفتاح والتأثر بكل ما هو غربي، وقبولهم بالقيم الغربية، ونموذج الدولة الغربية وأدوات وآليات بل وفلسفة الحكم الغربية، حتى ظنوا أن لا ملجأ منها إلا إليها، وأنه لا يمكن إدارة أو إقامة أو تسيير دولة ما، إلا بها، وأن أي اجتهاد خارج زبور الديمقراطية والدولة المدنية، هو مجرد شعار فارغ. لذلك لا يتحرج الإستاذ محمد يتيم في توجيه اتهامه للحركات الإسلامية المخالفة، هو الاتهام نفسه الذي يوجهه العلمانيون والاستئصاليون، حين يقول" إن الحركات الإسلامية أو بعضها حين تطرح مطلب إقامة الدولة الإسلامية أو تبشر بالخلافة، لا تتجاوز مستوى الشعار العام، فهي لا تبين لنا طبيعة هذه الدولة، كما أنها لا تحدثنا عن شكل توزيع السلطات داخلها والعلاقة بين مختلف السلطات وطبيعة سلطات الحاكم أو الخليفة داخلها، وأشكال الرقابة على الحاكمين، وكيفية اختيارهم، ومدة ولايتهم، والآليات الدستورية التي تمكن من تنصيبهم، أو عزلهم، وعن النظام السياسي للدولة الإسلامية، هل سيكون شبيها بالنظام الرئاسي، أم بالنظام البرلماني".
إن هذه الشبهة، من منظر لحركة إسلامية لها وزنها، لا تعبر إلا عن شيئين اثنين لاثالث لهما، جهله، أو تجاهله، لكل ما كتب حول الموضوع قديما وحديثا، بل من الحركات الإسلامية، من وضعت دستورا مفصلا للدولة اللإسلامية المنتظرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، جعل الأستاذ يتيم، الديمقراطية الغربية، وشكل الدولة القطرية الحديثة، هي مرجعه الوحيد، الذي لا محيد عنه، كأنها الوحي المنزل، وهو بذلك كالأعمى الذي لم ير في حياته إلا فأرا، فجعل يقول كلما حدثوه عن شيء: أهو كالفأر؟
ولم يتوقف الأستاذ عند هذا الاتهام، بل تعداه إلى اتهام مبطن، يحمل تهديدا لكل من رفع شعار الدولة الإسلامية، بأنه تكفيري أو خارجي. وهو ما يعبر عنه صراحة بقوله: "وإذا تجاوزنا لحظة تلك الحمولة التكفيرية لمطلب إقامة الدولة الإسلامية الذي يبقى شأنا خاصا ببعض جماعات التكفير". وهكذا يتم إقفال باب الدعوة لقيام دولة إسلامية، فضلا عن خلافة راشدة نهائيا، والاستهزاء بالداعين لها من طرف هذا التيار الإسلامي الديمقراطي، والاكتفاء بالدعوة لاحترام الشريعة، في أحسن الأحوال، وكأن الشريعة جاءت لنحترمها لا لنطبقها، وأصحاب هذا التيار يعلنون صراحة أنهم لن يطبقوها وهم صادقون ومنطقيون، وطبيعة النظام الديمقراطي تقتضي ذلك، وما تجربة العدالة والتنمية التركية وتجربة حماس والسودان ببعيدة، وأي محاولة من هذا القبيل ستقذف بهم خارج اللعبة كما حصل مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
لذلك يقول السيد عبد الكبير العلوي المدغري وزير الأوقاف المغربي السابق، في كتابه،"الحكومة الملتحية" وهو يتحدث عن احتمال وصول حزب العدالة والتنمية للحكم يقول: "إن الحكومة الملتحية سوف لن تتعدى تدبير المال والاقتصاد في بنيته وشروطه الحالية وتوجيهاته الرأسمالية اللبرالية، وتعليمات البنك الدولي وتركيبة الاقتصاد الربوي" ويقول في موضع آخر أن الفرق بين "الحكومة الملتحية والتي سوف لن يكون لها من الإسلام إلا اللحية بحكم الضرورة وما تفرضه الأوضاع الداخلية والخارجية، وبين الحكومة الإسلامية التي إذا جاءت ستحرص على تطبيق برنامج الإسلام وتكون بمثابة الزلزال" وأن هذه الحكومة، "لا يكون لها من الإسلام إلا اللحية وستعمل بالتشريع الوضعي". على اعتبار أنها، "ستلعب لعبة الديموقراطية التي تجعل من البرلمان مجلس تشريعي، وستتعامل بالربا وسوف تستخلص الضرائب من المحرمات كالخمور وغيرها وسوف تمارس النفاق السياسي المكشوف وتسيء إلى الإسلام أكثر مما تحسن إليه لأنها تعجلت الوصول إلى الحكم قبل أن تستكمل أدواته" أنتهى كلامه . وإن كنت لا أوافق على كثير مما جاء في الكتاب وعلى كثير من رؤاه وأطروحاته، إلا أن أهمية كلامه تكمن في أنه صادر من أحد الوازنين داخل النظام، وهو من أهل مكة وأدرى بدهاليزها وشعبها وأوديتها، ولايمكن اتهامه بالتحامل، لقربه وتعاطفه وعلاقته المتميزة مع أصحاب هذا المنهج.
وحتى لا يكون كلامنا تنظيرا في الفضاء، وفرضيات وتوقعات، وتقييم لعمل لم يتم، وتجربة لم تنزل، سنلقي نظرة، عن تجربة الحزب، وأدائه النيابي، وبحسب وثائق وتقارير الحزب سواء التي تتحدث عن حصيلته أو تقييمه، إما لولاية تشريعية كاملة، أو فقط لسنة نيابية، نجد تلك التقارير تتحدث عن إنجازات من قبيل تخليق وتفعيل العمل النيابي، أو رد الاعتبار للمؤسسة التشريعية ، كما يفتخر الحزب بكم الأسئلة التي يطرحها، وبكم التعديلات ومقترحات القوانين، وبكم الاعتراضات، والامتناعات عن التصويت، حتى وإن لم تؤخذ بعين الاعتبار، حتى وإن لم يكن لها أي أثر يذكر، فالعبرة بكمها، وأداء الحزب يقيم بتزايدها وتضاعفها، كذلك يفتخر الحزب بورقة حضور وغياب نوابه، ويعتبرها من منجزات وإضافات الحزب النوعية؟؟؟
ولعل أوضح مثال، على ما نحاول إيصاله وتوضيحه، ما أعلنه رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي، مباشرة بعد فوز حركته في انتخابات المجلس التأسيسي، ونصيحة رجب طيب إردوغان، للمصريين، بتطبيق العلمانية، بعد نجاح ثورتهم، حيث بات واضحا أن هذه الحركات تطورت من حركات إسلامية إلى مجرد حركات محافظة، ثم إلى حركات فقد المرء معها التمييز بينها وبين باقي الحركات والأحزاب والتكتلات الليبرالية والعلمانية والحداثية، وأصبح من الصعب التمييز بين برنامج الحزب الإسلامي وصنوه العلماني، أو الأحرى يسهل تمييز البرنامج الإسلامي، من خلال خطابه المشحون بالتنازل والتبرير والاستجداء وإبداء حسن النوايا تجاه الآخر، وهو ما لا ولن تجده عند هذا الآخر، بل لن تجد إلا التهجم والاتهام والتحقير والاستهزاء.
ورغم أن الشعب يصوت على الإسلامي لاعتقاده أنه سيطبق الإسلام، إلا أن هذا الإسلامي بمجرد اعتلائه الكرسي، يعلن أنه سيبقي الأوضاع على ما هي عليه، مما يجعل أصغر صبي يتساءل: طيب لماذا تقدمت؟ وما الفرق بينك وبين الآخر؟. وهذا من مساوئ هذه العملية (اللعبة) برمتها، ومن المؤاخذات عليها.
أما يردده بعض الجهال، أصحاب العقول الموبوءة والنفوس المريضة، ممن يقدمون أنفسهم على أنهم متخصصون وباحثون وخبراء، أمثال جمال براوي وسعيد الكحل وعبد الكريم الامراني ومحمد بوبكري وجمال هاشم وعبد اللطيف جبرو ومحمد البريني وغيرهم من الاستئصالين، من علاقة لهذه التنظيمات بالإرهاب وخصوصا حزب العدالة والتنمية، أوتمويلهم من طرف جماعة الدعوة والتبليغ، ومن أن هذا الحزب سيكرر تجربة طالبان وسيطبق الشريعة، ليجعل الإنسان يستلقي على ظهره من الضحك، من محللي وخبراء آخر الزمان، إن هؤلاء العابثين في شؤون الجماعات الإسلامية، لا يزيد كلامهم عن كونه تحريضا مكشوفا على تنظيمات هي بالفعل صمام أمان، ومكون لإثراء التعددية والديمقراطية، ولو كانوا غير ذلك لما سمحت السلطات بوجودهم. وبشهادة رجالها، كما جاء في تصريحات عميل المخابرات أحمد البوخاري، وأيضا في حوار للخلطي محمد، المخابراتي المغربي المتقاعد، مع يومية الأيام، والذي امتد على خمس حلقات، ابتداء من العدد 202، بتاريخ أكتوبر 2005. حيث تطرق لأشياء خطيرة بخصوص الحركة الإسلامية المغربية، واتهم بالتجسس عددا من رموز هذه الحركة، بل أدلى برسالة مكتوبة بخط يد أحدهم كان قد أرسلها له، مليئة بعبارات الود والتبجيل، نشرتها الجريدة، ولم يتم الرد على كل تلك التهم أو نفيها، اللهم إلا ردا محتشما من طرف محمد يتيم لم ينف فيه، بل أكد أن تلك العلاقة مع المخابرات كانت قائمة نتيجة المراجعات والمواقف الجديدة التي تبنتها الجماعة في تلك المرحلة لخدمة الوطن، نفس الكلام كان قد قاله عبد الإله بنكيران حين وجهت لهم نفس التهمة من طرف البصري. ما عدا ذلك فإن الصمت كان سيد الموقف، الشيء الذي لم يفهمه الكثيرون واستنكره أعضاء في الشبيبة الإسلامية.
ولم تنفرد المخابرات ورجال السلطة بهذا الاتهام، فلقد فعله أحد ممن يقدم نفسه على أنه سلفي وهو علي بن صالح الغربي السوسي، حيث اتهم أحمد الريسوني، وعدد من الرموز بالتجسس على السلفيين والياسينيين لصالح إدريس البصري( ).
هذا لا يعني مطلقا أن هذا التيار قائم على الميكيافيلية والوصولية أو أنه يدعو إليها، إلا أن تجميع الأتباع وفتح الباب على مصراعيه دون تمحيص أو تربية، لمن هب ودب، ورهن كل واجهات العمل الدعوي وربطها بالعمل الحزبي النيابي، وجعلها في خدمته، عوض أن يخدمها هو، واتخاذ المصلحة دينا، ومبدأ المداهنة وأنصاف الحلول والرضا ببعض الباطل إلى جانب بعض الحق كل ذلك لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مثل هذه الانزلاقات. وهذا لايمنع من وجود استثناءات داخل هذا التيار.
ويجب الانتباه أثناء تصنيف الجماعات المنتمية لهذا التيار والعاملة ضمن هذا الفكر، إلى جماعات دعوية، وأحزاب سياسية، فما أشرنا إليه سابقا من انزلاقات للأحزاب السياسية وقادتها. لا ينطبق كليا على حركات وجماعات الدعوة، فاجتهادات السياسيين، تخرج عن الشرع والعقل والمنطق، وإن وجدت أيضا استثناءات في صفوف الدعاة.
يعمل ضمن هذه الاجتهادات، وهذا التيار، بشكل عام، جماعات وأحزاب قطرية، تقترب من فكر الجماعة وتبتعد، بحسب المصلحة والظروف.
كحزب العدالة والتنمية، وحزب البديل الحضاري، وحزب الأمة، وحزب النهضة والفضيلة، والحركة من أجل الأمة وحركة التوحيد والإصلاح، وكلها مغربية ، وحزب النهضة الجزائري، وحركة الإصلاح الوطني الجزائرية، وحركة مجتمع السلم الجزائرية، وحركة النهضة التونسية، الحركة الإسلامية الموريتانية ( حاسم )، وحزب الوسط المصري. وحركة الإخوان المسلمين في مصر وسوريا والأردن، وجمعية المنبر الوطني الإسلامي في البحرين، والحزب الإسلامي في العراق. وجبهة العمل الإسلامي بالأردن، والحركة الدستورية الإسلامية في الكويت، وحزب التجمع اليمني للإصلاح، وحزب السعادة التركي.
بقيت نقطة أخيرة، حتى نكون منصفين وهي أن هذه الحركات رغم أنها لن تطبق الإسلام ولن تحدث التغيير الذي تنشده الأمة وتتطلع إليه. إلا أنها حركات وأحزاب إن كتب لها النجاح في إدارة بلدية هنا أو هناك، أو حتى في قيادة حكومة، فهي في الجملة، لن تنهب أو تفسد أو تزور، هذا أقصى ما يمكن أن تحققه. (وقلت في الجملة، لأنه لايمكن ضبط كل أفراد التنظيمات، وحزب العدالة والتنمية كأي تجربة إنسانية، لم يشذ عن هذه القاعدة، حيث تعرض مثلا، والهيئات التابعة له، لانشقاقات وانقسامات، وتعرض لهزات عنيفة تمثلت في استقالات جماعية لأعضائه ومناضليه، وترحال والتحاق لبعض نوابه بأحزاب أخرى، وتورط بعضهم في قضايا ارتشاء وفساد مالي، وهذا طبيعي لأن كل البشر بغض النظر عن توجهاتهم ومشاربهم معرضون للوقوع في الخطأ).


0 التعليقات:

إرسال تعليق