‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطري. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطري. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 7 أبريل 2013

فستان الزفاف الأخير






بقلم: مصطفى محمد الحسناوي

اشترت ثوبها الأخير، ثوبها الذي تحلم أن تلتحفه وهي سعيدة، ثوبها الأبيض الذي سيزفها لأحبابها، ثوبا تخيلته مطرزا ومذهبا ومزركشا، تخيلته مطرزا بكل أنواع الطرز التقليدي اليدوي الرباطي والفاسي والتركي، أومصمما على أحدث صيحات الموضة بتوقيع أمثال ستيفان رولان ، لكنها لم تكن معجبة بالفساتين العصرية وفساتين السهرات والفساتين الرومانسية، إنها مهووسة بكل أثري قديم، تشم فيه عبق التاريخ والحضارة، لذلك تخيلته مطرزا بخيوط العفة والقيم والحشمة، مصمما بالهيبة والوقار والحياء، إكراما لمن ضحوا في سبيل هذه المعاني والقيم، إكرام ووفاء بلون الإحياء والبعث من جديد، لأنها أصيلة وأيضا كريمة وواسعة الخيال، تجعل من اللاشيء أشياء كثيرة، ومن القديم المتلاشي، حديث يشع نورا وتألقا.
لم يكن الفستان سوى قطعة قماش بيضاء بسيطة، لم يكن مطرزا ولا مصمما، لكنها معجبة به، فهو في بياضه يعكس الطهر والنقاء، وهو في بساطته يختزل نظرتها وفلسفتها للحياة، لأنه ثوب الآخرة.
نعم لقد اشترت كفنها، كما تشتري سائر ملابسها، ووضعته في صوانها بغرفة نومها، كفن كلما فتحت خزانة ملابسها ذكرها بالمصير المحتوم، كفن كلما اشتهت من طيب الملبس وزينته، وعظها في صمت.
لم يكن ذلك الثوب ليذكرها ويعظها لو لم تذكره هي، لذلك لم يكن عبثا منها أن تضعه بين لباس دنياها الفانية، ليذكرها بأخراها الباقية، فراحت تتهيأ للأخرى تماما كما تتهيأ للأولى، لقد سطرت درسا وعبرة ونظرية مبهرة في فن التسوق والتبضع، أو ما يحلو لبنات جنسها من رائدات المول تسميته بالشوبينغ، من هاويات الماركات واللاهثات وراء الرالف لاورين وكريستيان ديور وبيار كردان.
لا يمكن لامرأة أن تعشق ذلك الثوب، إلا إن لبست ثوب الحياء والإيمان والشوق للقاء الرحمن، لا يمكن لامرأة أن تتذكر ذلك الثوب إلا إن نسيت كل الأثواب، ورأت فيها مجرد وسيلة تستر بها جسدها تقربا لخالقها، لا وسيلة تثير الغرائز وتستحث النفوس المريضة.
وقفت عاجزا منبهرا أمام هذا المرتبة الراقية التي ارتقتها، كيف لفتاة في مثل سنها، أن ترتقي تلك الدرجة من مدارج السالكين القانتين الزهاد العابدين؟ كيف لها في وسط واقع مادي ومستنقع ضحل، أن ترتقيها؟ كيف لها أن تدركها؟ لكنه الاصطفاء والهداية والاختيار، نسأل الله أن نكون من المصطفين الأخيار.
استغربت حين أخبرتني بذلك، ورافق استغرابي شعور آخر، بل مشاعر فياضة، من الاحترام والتقدير والإعجاب والانبهار والتصديق والتكذيب والدهشة والضحك والبكاء والفرح والألم والحزن والحنين، عبرت عن كل تلك المشاعر بابتسامة خفيفة على محياي، لكن هزة عميقة مثل زلزال مدمر كانت بأعماقي. وتذكرت قصة ذلك الصحابي الذي أعجبه ثوب فتمنى أن يكون كفنه، ثوبه الذي يلبسه في قبره. أختم بقصته التي أجزم أن أمثالها من القصص والمواقف لم ولن تنقطع بين أبناء هذه الأمة، لم ولن تنقطع كل قصص الثبات والوفاء والأمانة والإيمان والجهاد والاجتهاد والبطولة والفداء والحشمة والحياء، التي خلدتها لنا كتب السنة والسيرة، لا تزال في كل لحظة وحين وفي كل بقعة ومكان تستنسخ وتتكرر وتحيى من جديد، إلى أن يأذن الله بالنصر.
وفي مثل هؤلاء يقال:
إن عشنا عشنا معا    وإن متنا تقاسمنا الكفن

نختم قصة صاحبة الكفن، بحديث صاحب الكفن، الذي رواه البخاري وعنونه ب: "باب من استعد الكفن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه".

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا، أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالُوا الشَّمْلَةُ، قَالَ نَعَمْ، قَالَتْ نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ، فَقَالَ اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا، قَالَ الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ، لَبِسَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ، قَالَ إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ، إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي، قَالَ سَهْلٌ فَكَانَتْ كَفَنَهُ.

الجمعة، 1 فبراير 2013

العزيزة الغالية راضية




راضية، أيتها الرائعة، أيتها الفاتنة الساحرة، أيتها المدللة، تعجز كل عبارات الإعجاب والحب والانبهار والتعلق والافتتان والتقدير والاحترام، أن تفيك حقك، وتعبر عن مكنون مشاعري تجاهك، ليلة واحدة كانت كافية لأحبك، ليلة واحدة كانت كافية لأذكرك طوال حياتي، ليلة واحدة تعارفنا فيها، تمشينا فيها، تحدثنا، تصارحنا، أذكر وأنا ألاطفك وألاعبك، امتناعك ومقاومتك عندما طلبت منك نزع خمارك، وأذكر خجلك عندما أمسكت بيدك الصغيرة، وأنت تقاومنني بشدة، ثم ما لبثت أن استسلمت. أذكر خوفك مني بداية الأمر، ثم لما اطمأننت لي، تعلقت بي بشدة، ولم ترغبي بفراقي، أذكر تلك اللحظات بتفاصيلها وجزئياتها، ليتها تعود، ليتك تعلمين كم مرة بكيت لفراقك، أبكي بمرارة لأني لن أراك، ولا أعلم حتى أين أنت، وإن كنت تذكريني أم لا؟ لا أعلم إلا شيئا واحدا أني أتذكرك في كل لحظة، وجهك لايفارق مخيلتي، كلماتك تطاردني، ضحكاتك البريئة تحاصرني.
إليك، أكتب هذه الكلمات لتذكريني، سأرسلها مع أشعة الشمس، مع النسيم، مع العواصف الهوجاء، لا أدري أي أرض سعيدة تستضيفك، وأي فضاء يحضنك.
كلمات من سويداء قلبي، إليك أيتها الغالية، وكلي أمل أن تصلك، أن يحسها قلبك أن تلتقطها جوارحك.
راضية، كيف لواحدة مثلك أن تتمتع بكل تلك الصفات الرائعة والجذابة، كيف لطفلة لم تبلغ السادسة من عمرها، أن تكون بكل ذلك الذكاء والفهم والصبر والعفة والحياء والوفاء، قصتك ستبقى سرا من أسراري، وعالما من عوالمي، ألجأ إليه لأعيش ولو للحظة خيالية عابرة معك، كلما تذكرتك وغلبني الحنين إليك. 

الأحد، 18 نونبر 2012

فقاعة حب




مجرد فقاعة أخرى كسابقاتها، تبدأ صغيرة ثم تكبر شيئا فشيئا ثم تختفي فجأة وتتلاشى مع أول نسمة هواء. لا أثر، كأن شيئا لم يذكر كأن رسائل لم تسطر، أثر وحيد بقي صامدا شامخا، بقي علامة على ما كان، إنه جرح غائر في قلبي، لون شاحب في وجهي.
فقاعة أخرى تعهدتها بالرعاية، وكانت تكبر أمام ناظري، فرويتها بدمي، معتقدا أنها ستكبر بالحجم الذي ستحتويني، تضمني، تسعني، تسع أحلامي وآمالي، لكنها كبرت ككرة ثلج، لتذوب آخر النهار.
فقاعة صناعتها بيدي ونفخت فيها من روحي، فتخيلتها بلورة سحرية، أنظر من خلالها لمستقبلي أخرج بها من عالمي لأحلق في عوالم أخرى، فقاعة أخرى انفجرت مع أول زفرة ألم وحسرة، أنا لذي اعتقدتها ستداوي كل جراحي وتواسي كل أتراحي.
كانت مجرد فقاعة فارغة، تطير مع كل نسمة هواء وتستجيب لكل نداء، لا يقر لها قرار، تعبت في ملاحقتها وأرهقت نفسي في حراستها، خوفا عليها من التلاشي، أعترف بغبائي، فإلى أي مدى يمكن لإنسان أن يحافظ على فقاعة، أن يصونها ويحميها، إن أمسكها انفجرت وتلاشت، وإن تركها طارت وغابت، لم أنتبه إلى أن عالمنا مليء بتلك الفقاعات التي لا تستحق تضحية ولا اهتماما.
فقاعة لن أنسى لها مزية واحدة، درسا بليغا تعلمته وهو أنه:
 بمقدار صدق الحب يكون الجرح غائرا
وبـِمقدار الجرح يكون الألم كبيرا
وبـِمقدار الألم يكون النفور حقيقيا
وبـِمقدار النفور تكون الكراهيه أبدية
كرهت الفقاعات إلى الأبد.


السبت، 28 أبريل 2012

شيطان بفستان





كانت لي حبيبة هي إلى صفات الشيطان قريبة، أحببتها حبا لم يعهده الأولون، ولن يشهده الآخرون، أضفيت عليها كل صفات الطهر والنقاء، والحشمة والعفاف والوقار، والبراءة وسلامة الطوية، وأسبغت عليها من المزايا ما يرفعها فوق صفات البشر، وثقت بها ثقة المرء بنفسه، بل أكثر.
كانت حبيبتي ماكرة، عرفت كيف توقعني في حبائلها، لم تترك منفذا إلى قلبي إلا ولجته، ولا بابا لعقلي إلا طرقته، ولا سبيلا لنفسي إلا سلكته، فتقمصت كل الشخصيات المحبوبة إلي، وانتقت كل العبارات المفضلة لدي.
كانت حبيبتي غادرة، فقد كانت تضمر عكس ماتظهر، وتخفي غير الذي تبدي، توقع الضحية في شباكها، ثم تتفنن في إيذائها وتعذيبها، كجلاد حاقد، ثم تتركها ليقتلها الموت البطئ، وتهجرها كما يهجر الحيوان المفترس، بقايا طريدته.
كانت حبيبتي خائنة، توقع أكثر من ضحية بنفس الطريقة، تتقلب بين الرجال دون كلل ولا ملل، عازفة نفس اللحن، تنشد نفس الأغنية، وتلبس نفس القناع، قناع البراءة، براءة حد البلادة والبلاهة، هذا ما يبدو على ملامحها، لكنها ذكية وعبقرية وفنانة، تراجع مواعيد عشاقها لليوم الموالي، قبل نومها، تحدد المكان والزمان والتوقيت، كمسؤول عن تنظيم مواعيد القطارات وسيرها، كي لا تلتقي وتصطدم.
ذكية وعبقرية وفنانة في انتقاء الضحية
ذكية وعبقرية وفنانة في استدراجها
ذكية وعبقرية وفنانة في إحكام السيطرة عليها، في إغراقها وكتم أنفاسها، في لفظها كالنواة.
حبيبتي شيطان استدرجني واستزلني، فعشقتها، منحتها عصارة قلبي وخلاصة حبي، واعتقدت أني بحبها أسمو فإذا بي أهوي.
حبيبتي شيطان، لأني اكتشفت خيانتها، ولم أتوقف عن حبها، كلما ازدادت هجرا ازددت تعلقا، تزداد خيانة فأزداد حبا، تنساني فأذكرها، تتجاهلني فألح عليها، تؤذيني فأسامحها، لم يعد لي في قلبي لها أي مكان للبغض أو الحقد، الحب أسهل من الكره على نفسي، أي شيطان تلبس بي، أسعى لحتفي بظلفي.
كنت أستغرب من عبدة الشيطان، يقدسون من يسوقهم إلى الجحيم، ويعبدون من سيحرمهم من النعيم، فإذا بي في محراب شيطاني أتوسله، أن يزيدني عذابا، ويسقيني آلاما وأوجاعا، أذرف الدموع ليجود باسترقاقي، ويتفضل باستعبادي، ويتكرم باقتيادي لحظيرة ضحاياه ومقبرة قتلاه.

الأربعاء، 25 أبريل 2012

فردوس اللقاء وجحيم الفراق



فردوسي المفقود، قمري المنير.
كان لإطلالتك مرة كل شهر، الأثر البليغ في إضاءة الكثير من عتمات حياتي، فكنت أستغل لحظة تهل علي بوجهك الصبوح، لأتزود بما يكفيني من نور ضيائك، آخذ منه مايكفيني لغاية إطلالة مقبلة، أحفظه في قلبي بين جوانحي، فأحس بفؤادي كسراج تتراقص الفراشات من حوله، ويظل كذلك متوهجا، كلما بهت نوره زودته من نورك.
لم تكن ياقمري مصدر نور فقط، بل كنت حدائق غناء ذات بهجة، أستمد منك الإلهام والعطر والنسيم العليل.
كنت فردوسا أتفيء ظلاله وأنعم بهدوءه وسكونه.
كنت بحرا زاخرا باللآلئ والجواهر واليواقيت، لكنك كنت عميقا وغامضا.
بقيت مقيما في هذا النعيم، أسعد بإطلالتك كل شهر، يلتئم فيها شملنا، ونحيي آمالنا، فكان لقاءنا أسعد ما يكون من لقاء، تأخذني النشوة حتى لاأحس بسواك، ولاأرى إلا ضياك.
وفجأة قررت أن تطفئ أنوارك، وتمنع أخبارك، فانتظرتك الشهر والشهرين والحول والحولين.
يالقسوتك، كيف تحبس نورك عن أحبابك وأصحابك، والدجى سواده حالك.
يالقسوتك، كيف تمنع ظلالك، ولهيب الشمس لافح.
أرغبت عنا حتى لم يعد لنا في ضيائك نصيب؟.
كيف انقلب النعيم جحيما وتنكر الحبيب للحبيب؟.
أهو الفراق الذي مابعده لقاء؟ أهو الهجر والبعد والجفاء؟
أأنتظر إطلالتك؟
كلا ...فراقك أهون عندي من انتظار قد يطول، بل الموت أهون منهما معا، لن أحيا إذن هذه الحياة بدونك، الموت أرحم، بعد أن أصبح حالي كما قال الشاعر:
يا من لهذا المريض المدنف العاني        مردد النفس من آن إلى آن
إذا رآى الليل ظن القبر شق له         وظن أنجمه آثار أكفان
ويحسب الصبح باب الموت لاح له      وفوقه الشمس قفل فتحه داني
مطرح الهم في كل الجهات فما       يرى بكل مكان غير أحزان.